سهيلة عبد الباعث الترجمان
806
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ولا يقل الجيلي شأنا عن ابن عربي في هذا الأمر ، فهو صوفي لم يتقيد بعلوم العقل والفكر إنما يرى أن الروح الإنسانية مفطورة على إدراك العلم الإلهي الذي يستقر في القلب بعد تحرره من شوائب الجسم وكدورات الحياة ، فإذا ترك القياس بالعقل والدليل عند معرفة الأمور ، تنجلي هذه المعارف وتشهد في القلب دون أدنى حجاب ، ويدركها العبد الإلهي بكمالها تفصيلا وإجمالا . وهذا أمر مستغلق على غير أهله لا يدركه إلا الراسخون فيه في حالة كشف وتقرب من اللّه حيث يصبح العبد عالما ، عارفا ، كاملا مكملا ، ينطق بلسان المعرفة والعلم ويعبر عن كل فن . وقد أشار الجيلي إلى منهجه الروحي هذا في بدء كتابه " الإنسان الكامل " بأنه يعتمد الكشف الصريح والخبر الصحيح ، فلا يحيد عنها في علومه ، ولا يلجأ إلى النظر العقلي في تثبيت مسائله ، وقد يلتزم الغموض والإبهام بحسب المقام والأمر ، وقد يميل بعض الأحيان إلى الوضوح كي يكشف لنا عن شيء من الأسرار الصوفية ، وكثيرا ما يفصح عن مدلول فكره كي يخرج المحجوب عن فهمه ويمهد له السبيل حتى يجد الطريق إلى معرفة ما يجريه اللّه على لسانه ، كما أنه يجمع بين الإعجاز والبساطة في كتابته ، ووسيلته في الوصول إلى ذلك القلب الذي تنفتح له مغاليق العلوم . ويستند الجيلي في أقواله وآرائه إلى الكتاب والسنة ولا يحيد عنها ملتزما بما يرد عليه من عطاء إلهي ومقيدا به ، وهو صريح في تعبيره فينبه القارئ لأقواله كي لا يقع في لبس فيها فقال : " وقد التمس من الناظر في هذا الكتاب بعد أن أعلمه أني ما وضعت شيئا في هذا الكتاب إلّا وهو مؤيد بكتاب اللّه أو سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أنه إذا لاح له شيء في كلامي بخلاف الكتاب والسنة ، فليعلم أن ذلك من حيث مفهومه لا من حيث مرادي الذي وضعت الكلام لأجله ، فليتوقف عن العمل به مع التسليم إلى أن يفتح اللّه عليه بمعرفته ويحصل له شاهد ذلك من كتاب اللّه تعالى أو سنة نبيه ، وفائدة التسليم هنا وترك الإنكار أن لا يحرم الوصول إلى معرفة ذلك ، فإن من أنكر شيئا من علمنا هذا حرم الوصول إليه ما دام منكرا ولا سبيل إلى غير ذلك ، بل ويخشى عليه حرمان الوصول إلى ذلك مطلقا بالإنكار أول وهلة ولا طريق له إلّا الإيمان والتسليم « 1 » . وإن
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، المقدمة ، ( بولاق ) ، ص 5 .